عباس حسن
558
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
« أوشك » وغير مسبوق بها مع الفعل : « كاد » أو : « كرب » ، نحو : أوشك المطر أن ينقطع ، وكاد الجو يعتدل ، وكرب الهواء يطيب . ويجوز - قليلا - العكس ، فيتجرد خبر : « أوشك » ، من « أن » ويقترن بها خبر « كاد » و « كرب » ، ولكن الأول هو الشائع في الأساليب العالية التي يحسن الاقتصار على محاكاتها . ومن النادر أن يكون الخبر غير جملة مضارعية . ولا يصح محاكاة هذا النادر ، بل يجب الوقوف فيه عند المسموع « 1 » . وعمل أفعال المقاربة ليس مقصورا على الماضي منها : بل ينطبق عليه وعلى المشتقات الأخرى ، وهي محدودة ؛ أشهرها ثلاثة ؛ مضارع للفعل : « كاد » ، ومضارع للفعل : « أوشك » ، واسم فاعل له ، نحو : يكاد العلم يكشف أسرار الكواكب - يوشك القمر أن يتكشف للعلماء - أنت موشك أن تنته إلى خير . والأكثر أن تستعمل « كاد » و « كرب » ناسختين « 2 » . أما « أوشك » فيجوز
--> مصدرية لوجب أن تسبك مع الجملة المضارعية بعدها بمصدر مؤول يكون خبرا للناسخ ، فيترتب على ذلك الإخبار بالمعنى عن الجثة ، وهو ممنوع . ففي مثل : عسى محمود أن يجود ، يقع المصدر المؤول من أن والمضارع وفاعله خبر « عسى » في محل نصب ؛ فيكون التقدير : عسى محمود جوده . فيقع « جود » - وهو أمر معنوي - خبرا عن « عسى » ، وهو في الحق خبر عن محمود ؛ لأن اسم عسى وخبرها أصلهما المبتدأ والخبر ، ولا يجوز أن يكون المبتدأ جثة وخبره امرا معنويا ، ولا يبيح ذلك ناسخ قبلهما . وقال فريق آخر : لا مانع من اعتبار « أن » الداخلة في أخبار هذا الباب هي الناصبة المصدرية ، والمصدر المنسبك منها ومن المضارع مع فاعله - هو خبر الناسخ ؛ إما على سبيل المبالغة ، وإما على تقدير مضاف قبله ، أو قبل اسم الناسخ ، فيكون التقدير في المثال السابق : عسى محمود صاحب جوده ، أو عسى حال محمود جوده . . . هذا كلام السابقين . وخير منه أن تكون « أن » مصدرية ناصبة ويغتفر في هذا الباب كله الإخبار بالمعنى عن الجثة فنستريح من تكلف التأويلات البصرية السالفة ، كما نستريح من تكلف التأويلات الكوفية التي تجعل المصدر المؤول بدل اشتمال من الاسم المرفوع السابق ، ويجعلون : « عسى » فعلا تاما معناه : « التوقّع » . ففي مثل : عسى على أن يحضر . . . يكون التقدير : عسى على حضوره ، أي : يتوقع على حضوره ويكون الغرض من « البدل » هو التفصيل بعد الإبهام الداعي للتشويق . ( 1 ) ومنه قول الشاعر : فأبت إلى فهم وما كدت آيبا * وكم مثلها فارقتها وهي تصفر ( أبت ) رجعت ( فهم ) : اسم قبيلة . ( تصفر ) ، أي : تخلو من كل شئ فيها . . . والنادر المسموع هو مجيئه مفردا . أما الجملة الماضوية ، أو الاسمية ، أو شبه الجملة - فلم يسمع عن العرب . ( 2 ) عند وقوعهما تامتين لا يصح إسنادهما إلى « أن » والمضارع ؛ أي لا يكون فاعلهما أو مرفوعهما مصدرا مؤولا في الفصيح .